سيد محمد طنطاوي

189

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وختمت ببيان ما أعده - سبحانه - للكافرين من شديد العقاب ، وما أعده للمتقين من كريم الثواب . قال - تعالى - : وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً ، حَتَّى إِذا جاؤُها وفُتِحَتْ أَبْوابُها وقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ . وقالُوا الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَه ، وأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ . وتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ . 11 - هذا ، والمتأمل في سورة « الزمر » بعد هذا العرض المجمل لها . يراها قد اشتملت على مقاصد متنوعة من أهمها ما يأتي : ( أ ) إقامة الأدلة المتعددة على وحدانية اللَّه - تعالى - وعلى وجوب إخلاص العبادة له ، تارة عن طريق خلق السماوات والأرض ، وتكوين الليل والنهار ، وتسخير الشمس والقمر ، وخلق الناس جميعا من نفس واحدة . . . وتارة عن طريق لجوء المشركين إليه وحده عند الشدائد ، وتارة عن طريق توفى الأنفس حين موتها ، وتارة عن طريق ضرب الأمثال ، كما في قوله - تعالى - : ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلًا فِيه شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا . الْحَمْدُ لِلَّه ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . ( ب ) تذكير الناس بأهوال الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب . وبعث ونشور ، وفرح يعلو وجوه المتقين ، وكآبة تجلل وجوه الكافرين . نرى ذلك في مثل قوله - تعالى - : ويَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ . ويُنَجِّي اللَّه الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ ، لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ . وفي مثل قوله - تعالى - : ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّه ، ثُمَّ نُفِخَ فِيه أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ . وأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الْكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ ، وقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ . ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ . ( ج ) تلقين الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم الحجج والإجابات التي يرد بها على شبهات المشركين ، وعلى دعاواهم الباطلة ، فقد تكرر لفظ « قل » في هذه السورة كثيرا ، ومن ذلك قوله - تعالى - : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّه مُخْلِصاً لَه الدِّينَ . . . قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه إِنْ أَرادَنِيَ اللَّه بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّه . . .